الذهبي

546

سير أعلام النبلاء

ونبيكم صلى الله عليه وسلم يقول : " إن في هذه الأمة محدثين ( 1 ) ، وإن عمر منهم " ( 2 ) وقد صحبنا أقوام أطلعه الله على سرهم ، ولا بد من النظر في أمرهم ، وتيمم العدل فيهم ، ثم نودي في جبال المصامدة : من كان مطيعا للامام ، فليأت ، فأقبلوا يهرعون ، فكانوا يعرضون على البشير ، فيخرج قوما على يمينه ، ويعدهم من أهل الجنة ، وقوما على يساره ، فيقول : هؤلاء شاكون في الامر ، وكان يؤتى بالرجال منهم ، فيقول : هذا تائب ردوه على اليمين تاب البارحة ، فيعترف بما قال ، واتفقت له فيهم عجائب ، حتى كان يطلق أهل اليسار ، وهم يعلمون أن مآلهم إلى القتل ، فلا يفر منهم أحد ، وإذا تجمع منهم عدة ، قتلهم قراباتهم حتى يقتل الأخ أخاه . قال : فالذي صح عندي أنهم قتل منهم سبعون ألفا على هذه الصفة ، ويسمونه التمييز ، فلما كمل التمييز ، وجه جموعه مع البشير نحو أغمات ، فالتقاهم المرابطون ، فهزمهم المرابطون ، وثبت خلق من المصامدة ، فقتلوا ، وجرح عمر الهنتاتي عدة جراحات ، فحمل على

--> ( 1 ) في الأصل : محدثون ، والوجه ما أثبت . ( 2 ) أخرجه البخاري : 7 / 42 ، ( 3689 ) في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : باب مناقب عمر من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون ، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر " وأخرجه مسلم ( 2398 ) والترمذي ( 3694 ) من حديث عائشة . وقال ابن وهب : تفسير " محدثون " : ملهمون ، وقال ابن الأثير : أراد بقوله " محدثون " أقواما يصيبون إذا ظنوا وحدسوا ، فكأنهم قد حدثوا بما قالوا . قلت : واستشهاد ابن تومرت بالحديث في غير محله ، وهو دال على سوء طويته ، وجراءته على الله ورسوله ، فإن البشير الونشيرسي قد باع نفسه من الشيطان ، وصار يستلهم منه الحيل الماكرة ، والأساليب الخبيثة لاضلال الناس وإفسادهم إرضاء لسيده ابن تومرت الذي اتخذه مطية لاطماعه ، وتحصيل مرامه ، فهو من أبعد الناس عن منزلة التحديث الجليلة التي اختص بها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه .